أبو الليث السمرقندي

248

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

قوله تعالى : وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً نزلت في شأن رجل تمّار ، جاءت امرأة تشتري منه تمرا ، فأدخلها في حانوته وقبلها ثم ندم على ذلك ، فنزلت هذه الآية . ويقال : نزلت هذه الآية في رجل مسّ امرأة أخيه في اللّه ، وكان أخوه خرج غازيا ، ثم ندم وتاب . ويقال : إنها نزلت في شأن بهلول النباش ، تاب عن صنيعه فنزلت هذه الآية . فقال تعالى : وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً يعني الزّنى . أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ يعني القبلة واللمس . ويقال : الفاحشة كل فعل يستوجب به الحد في الدنيا أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ما دون ذلك . ويقال : الفاحشة ما استوجب به النار ، أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ما استوجب به الحساب والحبس . وقال إبراهيم النخعي : الظلم هاهنا تفسير الفاحشة فكأنه يقول : وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ أي خافوا اللّه ، ويقال ذكروا مقامهم بين يدي اللّه . ويقال : ذكروا عذاب اللّه . فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ يعني الاستغفار باللسان والندامة بالقلب . ويقال : الاستغفار باللسان بغير ندامة القلب توبة الكذابين . وروي عن الحسن البصري أنه قال : استغفارنا يحتاج إلى الاستغفار الكثير . ثم قال تعالى : وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ يعني لا يغفر الذنوب إلا اللّه وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا يعني : لم يقيموا على ما فعلوا من المعصية وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنها معصية فلا يرجعون . ويقال : في الآية تقديم وتأخير ، فكأنه يقول : والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ، ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون ، ذكروا اللّه فاستغفروا لذنوبهم ، ومن يغفر الذنوب إلا اللّه أُولئِكَ يعني أهل هذه الصفة جَزاؤُهُمْ يعني ثوابهم مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ يعني : نعم ثواب العاملين الجنة ، وهو قول الكلبي . وقال مقاتل : نعم ثواب التائبين من الذنوب الجنة قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ أي قد مضت لكل أمة سنة ومنهاج ، فإذا اتبعوها رضي اللّه عنهم . قال الكلبي : قد مضت سنة بالهلاك فيمن كان قبلكم ، فَانْظُروا : أي فاعتبروا كيف كان جزاء المكذبين . وقال مقاتل نحو هذا ، وقال : يخوف اللّه هذه الأمة بمثل عذاب الأمم السابقة . وقال السدي : فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ أي اقرءوا القرآن فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ لأن من لم يسافر فإنه لا يعرف ذلك ، وأما من قرأ القرآن فإنه يعرف ذلك . وقال الحسن : اقرءوا القرآن وتدبروا فيه ، فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 138 إلى 140 ] هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ ( 138 ) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 139 ) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 140 )